محمد أبو زهرة

25

المعجزة الكبرى القرآن

حتى وجدت آيتين من سورة التوبة مع خزيمة الأنصاري ، لم أجدهما مع غيره . لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 128 ] . والآية الأخرى التي لم يجدها إلا عند خزيمة أيضا جاء فيها عنه في رواية البخاري أيضا : وعن زيد بن ثابت لما نسخنا في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرؤها ، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل اللّه تعالى شهادته بشهادة رجلين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [ الأحزاب : 23 ] ، وقد علق على ذلك القرطبي فكانت الأولى من سورة براءة في الجمع الأول على ما قاله البخاري والترمذي ، وفي الجمع الثاني فقدت آية من سورة الأحزاب . وهذا يدل على أن الجمع الثاني اتبع فيه ما اتبع في الجمع الأول بالبحث عن الآيات مكتوبة في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأن يشهد اثنان بكتابتها في عصره ، أو توجد عند اثنين ، فوجودها عندهما شهادتان ، والجمع الثاني كان في عهد عثمان . ولكن قد يسأل سائل : لما ذا كان نصاب الشهادة كاملا في الجمع الذي حدث في عهد أبى بكر ، ثم لم يوجد النصاب في بعض الآي عند الجمع الثاني ؟ نقول أن فرض ذلك يتحقق بغياب أحد ركنى النصاب عن المدينة ، أو موته ولكن اللّه تعالى حافظ كتابه في هذا الوجود كوعده بحفظه وأنه منجز ما وعد : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر : 9 ] ، ولذلك كان الشاهد في الثاني هو الشاهد في الأول ، وهو خزيمة الأنصاري الذي جعل النبي صلى اللّه عليه وسلم شهادته باثنين ، فالنصاب كان كاملا . 12 - ولا نترك الكلام في هذا العمل الجليل الذي اشترك فيه أبو بكر وعمر ، وحمل عبأه زيد بن ثابت مع جمع من المهاجرين والأنصار ، من غير أن نقرر حقيقتين ثابتتين ، تدلان على إجماع الأمة كلها على حماية القرآن الكريم من التحريف والتغيير والتبديل وأنه مصون بصيانة اللّه سبحانه وتعالى له ، ومحفوظ بحفظه ، وإلهام المؤمنين بالقيام عليه وحياطته . الحقيقة الأولى : أن عمل زيد رضى اللّه عنه لم يكن كتابة مبتدأة ، ولكنه إعادة لمكتوب ، فقد كتب كله في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعمل زيد الابتدائي هو البحث عن الرقاع والعظام التي كان قد كتب عليها والتأكد من سلامتها ، بأمرين : بشهادة اثنين على الرقعة التي توجد فيها الآية أو الآيتان أو الآيات ، وبحفظ زيد نفسه وبالحافظين من الصحابة ، وقد كانوا الجم الغفير والعدد الكبير ، فما كان لأحد أن يقول : إن زيدا كتب من غير أصل مادي قائم ، بل إنه أخذ من أصل قائم ثابت مادي .